جلال الدين الرومي
571
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )
( 2894 - 2900 ) حتى الشهوات ، ليس لمجرد المتعة والعبث . إن شهوتك للطعام هي دون أن تقصد من أجل المنى . . والمنى هو الذي يتحول إلى نسل يعمر الأرض وتكتحل بهم عيناك . . لكن بطئ الرؤية لا يرى في الشهوة إلا الشهوة . . إنه لم يجاوز مرحلة النباتية فهو كالنبات ثابت الجذور في الطين ، وإياك أن تظن أن النبات يتحرك حتى لو حركة نسيم الصبا فحركته ليست منه ولكنها مستعارة . . أنه يقول لريح الصبا « سمعنا » لكن جذوره الممتدة في الطين لا تتحرك وتقول « عصينا » . . وهذا الذي لا يعلم السير في الآفاق والأنفس - والنظر بعين البصيرة لحكمة الخلق ، وتتبع هذه الحكمة - إنما هو من العوام ( والعوام كالأنعام ) . . أنه يضع قدمه كيفما اتفق . . دون بصيرة ودون تفكير . . كما يفعل الأعمى . . ويقول أنه يفعل هذا على التوكل . . أي توكل هذا . . إنه توكل العابثين لاعبى النرد . . ينتظر ما يأتي به الزهر . . إنما يكون التوكل مع المجاهدة . . والمجاهدة لابد لها من مرشد . . والتوكل التام شديد الندرة . ( 2901 - 2911 ) في مقابل هؤلاء العوام كالأنعام هناك أصحاب البصيرة النفاذة غير الجامدة . . إنها بصيرة نفاذة تمزق الحجب . . تعلم قوانين العلية والسبية . . تدرك عواقب الأمور التي يمكن أن تجد بعد عشرة سنوات بنظرة واحدة . . وهكذا فكل امرئ بقدر نظره يستطيع أن يسير هذا السير المعنوي « والعارف بقدر همته » . . إنه المشرف على الأزل والأبد : يرى ما حدث يوم الخلق ، يوم أنكر الملائكة على الله سبحانه وتعالى أن يجعل في الأرض خليفة . . ثم يلقى بنظرة إلى الأبد فيرى حتى الحشر ، أنه مشرف على أصل الأصل ويرى ما هو آت حتى يوم الفصل وبأي شئ تيسر له هذه المعرفة الشاملة ؟ بهذا القلب الموجود دوما بين إصبعين من أصابع الرحمن . . بقدر جلائه تنعكس فيه صور الماضي والحاضر . . فإذا قلت : إنه من فضل الله إنه من العطاء ولا دخل للإنسان